الشيخ محمد مهدي شمس الدين
13
التاريخ وحركة التقدم البشري ونظرة الإسلام
مقدمة التاريخ هو حركة الشئ في محيطه خلال الزمان ، وبعبارة أخرى : التاريخ هو عملية التحول والتغير والانتقال ( الصيرورة ) من حالة إلى حالة ، التي تعتري الشئ أو ينجزها الشئ من خلال علاقته بعناصر محيطة عبر الزمان . وقد كان الشئ في النظرة السائدة قديما يعني الإنسان فقط ، ويعني - بصورة محددة - الفعاليات الإنسانية : المجتمع والمؤسسات السياسية والعسكرية والاجتماعية والثقافية . لقد كان التاريخ علم حركة الإنسان من خلال محيطه في الزمان ، ولكن العصر الحديث شهد تطورا في مدلول هذا المصطلح فاتسع ليشمل كل شئ في الطبيعة والحضارة : الأرض ، والمعادن ، والنباتات ، والحيوان ، والأفكار ، والعلوم . . وغير ذلك إلى جانب الفعاليات الإنسانية ، وغدا في وسع المؤرخ ذي النظرة الشاملة أن يدعي أن التاريخ كالفلسفة ذو موضوع شامل لكل ما يمكن أن يدخل في الوعي البشري . ولعل بعض المؤرخين المسلمين العظام كانوا قد انتهوا في تفكيرهم إلى حافة هذه النظرة التي تعطي التاريخ مفهوما شاملا يتجاوز الفعاليات الانسانية ، فنلاحظ أنهم أدخلوا في كتاباتهم التاريخية معلومات جغرافية أو فلسفية ، والمسعودي في كتابه مروج الذهب ومعادن الجوهر مثال بارز على ذلك . ولكن هذه النظرة الشمولية لا تعنينا هنا . إن عنايتنا موجهة نحو تاريخ الإنسان . وربما أمكن رد كل فروع التاريخ الأخرى - في النظرة الشمولية الحديثة - إلى تاريخ الإنسان ، من حيث أنها تؤرخ لبعض نشاطاته ( تاريخ العلوم ، الفنون والآداب ، الفلسفة ) أو تؤرخ لبيئته ( النبات ، الحيوان ، طبقات الأرض ) .